القرآن والسنة بفهم سلف الأمة

Search This Blog

24 May 2013

الإجازة كطريق من طرق التحمل

الحمد الله الذي بينا لنا سبيل الفلاح والفوز فقال وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ 
وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) ([1])،والصلاة 
والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله القائل”لا تزال طائفة من أمتي 
على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله عز وجل وهم على ذلك “([2])،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .

وبعد ،
فإن من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ،ومن الدعوة إلى الله ، بل والجهاد في سبيل الله بيان 
عقيدة أهل السنة والجماعة والذٍّب عنهما .وكشف عوار أهل البدع والملحدين والتحذير منهم كما قال ربنا عز وجل في كتابـــــه بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) ([3])وقـــــال وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55) ([4]) فجزي الله أهل السنة خيراً،.فهم منذ زمن قديم يتصدون لأهل البدع حتى فضل بعضهم الرد على أهل الأهواء والبدع وأهل التعمق والتنطع والتعملق على الجهاد في سبيل الله([5])،قال الإمام يحيي بن يحيي رحمه الله(226 ت):”الذَّب عَنِ السُّنَّةِ أَفْضَلُ مِنَ الجِهَادِ في سبيلِ الله. فقال له محمد بن يحيي الذُّهلي:الرَّجُلُ يُنْفِقُ مَالَهُ ،ويُتْعِبُ نَفْسَهُ،ويُجاهِد،فهذا أفضل منهُ؟قال- يحيى-:نَعَمْ،بكثير”([6])،قال بن القيم رحمه الله :”وتبليغُ سُنَّتِهِ صلى الله عليه وسلم إلى الأُمَّةِ أفضَلُ مِنْ تَبْلِيغِ السِّهام إلى نُحُورِ العَدُوّ؟ لأنَّ ذلك التبليغ يَفْعَلُهُ كَثيرُ مِنَ النَّاسِ، وأمَّا تبليغُ السُّنَن ،فلا يقوم به إلاَّ ورَثَةُ الأنبياء وخُلفائِهِم فى أممهم- جعلنا الله تعالى منهم بِمَنِّه وكرمه”([7]) وخاصة أن أهل البدعة يخرجون في كل زمان ومكان قرناً بعد قرن في أثواب جديدة يتلونون فيها بألوان مختلفة تحت مسميات شرعية حتى يلبسوا على الناس دينهم ،ولقد صدق مروان بن محمد الطاطري إذا يقول كما في ترجمته من(ترتيب المدارك) للقاضي عياض :يقول ثلاثة لا يؤتمنون: الصوفي والقصاص والمبتدع يرد على المبتدعة”،ولم يَزلْ أَهلُ العِلْمِ يَرَوْنَ أَنَّ الرَّدَّ على أهل البدع والفِرَقِ المنتسبة إلى الإسلام واجب لا يجوز التنازل أو التخلي عنه،وهي وظيفة شرعية،من مَهَامِّ العلماء،لحراسة الملَّة،والذبِّ عنها.،قال شيخ الإسلام بن تيمة رحمه الله:”وهذه الأمة – ولله الحمد – لَمْ يَزَلْ فيها مَنْ يَتَفَطَّنُ لِمَا في كلامِ أَهْلِ الباطِلِ مِن الباطل ويَرُدُّهُ،وهُمْ لما هداهم الله به يَتَوَافَقُونَ في قَبُولِ الحق،وردِّ الباطلِ رَأْياً ورِوايَةً مِنْ غَيْرِ تَشَاعر ولاَ تَوَاطُ}”([8]) .

وبعد:

إنه لما كان من دواعي النقل في الأخبار والمرويات العنايةُ بطلب الإسناد سواءً عن طريق القراءةِ أو السماعِ أو المناولةِ أو الإجازةِ إلى آخر أنواع التحمل المعروفات ،قال 
الحافظ بن حجر رحمه الله ،سمعت بعض الفضلاء يقول “الأسانيد أنساب الكتب ([9])،وقال الشيخ أبو عمر بن الصلاح رحمه الله”اعلم أن الرواية بالأسانيد المتصلة ليس المقصود منها في عصرنا وكثير من الأعصار قبله إثبات ما يروى،وإنما المقصود بها إبقاء سلسلة الإسناد والتي خُصَّت بها هذه الأمة زادها الله كرامة ([10]) ،”قال الإمام يزيد بن زُريع(ت182 هـ)”لكل دين فرسان،وفرسان هذا الدين أصحاب الأسانيد”([11])،وقال الإمام أحمد(ت241هـ)”طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف”([12])،وقال الإمام سفيان بن سعيد الثوري رحمه الله(ت161هـ)”الإسناد سلاح المؤمن.فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيئ يقاتل؟”([13])”([14]) قال الشيخ سليمان بن عبد الرحمن الحمدان رحمه الله:فلا يخفى ما للإسناد من الأهمية في الدين ،وأنه أصل عظيم إمتازت به هذه الأمة عن من قبلها من الأمم،وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن المبارك أنه قال”الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء([15]) هذا مع ما فيه من الإقتداء بالأئمة الأعلام ،والانتظام فى سلك المسندين الكرام ،واتصال الإسناد بالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام ،وقد قلَّ الراغبون فيه في هذا الزمان جهلا ً منهم بفائدته حتى كاد أن يكون نسياً منسيا ([16]) ،وبما أن طرق التحمل ثمانية منها الإجازة،قال الشريف العمريطي في منظومة متن الورقات في أصول الفقه ،
وحيث لم يقرأ وقد أجازه                 يقول قد أخبرني إجازة                              ومن هنا فالإجازة ضرورية ،قال شيخنا العلامة زهير الشاويش قال الحافظ أحمد بن 
محمد السِّلَفيِّ رحمه الله([17])
“والإجازةُ ضرورية ،لأنه قد يموتُ الرواةُ ويفتقدُ الحفاظ الدُّعاة، فيُحتاجُ إلى إبقاءِ 
الإِسناد ،ولا طريق إلا بالإجازة، فالإجازة فيها نفعٌ عظيم ٌ ورِفدٌ جَسِيمٌ ،إذِ المقصودُ 
إحكامُ السُّنّن المرويَّةِ، في الأَحكام ِ الشرعيِة ،وليس كلٌ طالبٍ يقِدرُ على رحلةٍ وسفرٍ 
،فالكتابةُ حينئذٍ أرفَقُ، وفى حَقِّهِ أوفَقُ” أ.هـ.

كتبه

عصام بن سامى آل سعيد راشد
من مقدمة كتابه ” الثمر الدانى بتحقيق منظومة أبى الخطاب الكلوذانى”
--------------------------------------------------------------------
[1] – آل عمران: ١٠٤.
[2] – البخاري(6/2666 – 6881) ، مسلم (3/1523-1920).
[3] – الأنبياء: ١٨.
[4] – الأنعام: ٥٥.
[5] – ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر(1/1) .مقبل الوادعي،بتصرف.
[6] – رواه الهروي في”ذَمّ الكلام”6/40 رقم1081.وقال الإمام أحمد عن يحيى:”ما أخْرَجَت خُراسان متله”.
[7] – جلاء الأفهام فى فضل الصلاة والسلام على مُحمدٍ خير الأنام ص:415،ت:شعيب 
وعبد القادر الأرناؤوط،دار العروبة.الكويت،ط2،1407 هـ .
[8] – مجموع الفتاوى 9/233.،الدار السلفية- مصر،جمع عبد الرحمن بن قاسم النجدي.
[9] -مقدمة فتح الباري 1/7.
[10] – مقدمة شرح صحيح الإمام مسلم للنووي 1/13.
[11] – انظر :طبقات الشافعية للسبكي 1/167.
[12] – مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي.ص:203.،علوم الحديث للحاكم.ص:231.
[13] – شرف أصحاب الديث .ص:42،المجروحين لابن حبان1/27).
[14] – انظر: مقدمة إتحاف الأكابر.ص:12وما بعدها.ط.الأولى،دار بن الجوزي.بيروت.1420هـ،ت خليل بن عثمان الجبور السبيعي
[15] – أخرجه مسلم في مقدمة الصحيح 1/130،والترمذي في العلل الصغير 5/695.
[16] -ثبت النجم البادي في ترجمة العلامة المحدث السلفي”يحيى بن عثمان المدرس 
العظيم أبادي.المدرس بمسجد ومعهد الحرم المكي ص45.ط.مكتبة الأسدي مكة.تأليف 
الشيخ أحمد عمر بازمول المدرس بالحرم المكي
[17] -انظر:إجازة الشيخ زهير الشاويش. المولود فى :1344 الموافق 1925.

No comments: